قبل سبعين عامًا، اندلعت «أزمة قناة السويس» التي مثّلت نهاية الإمبراطورية البريطانية بوصفها قوة عظمى على الساحة الدولية. ويستعرض الكاتب تريفور فيلست، محرر شؤون الدفاع والأمن القومي في مجلة «ذا ناشيونال إنترست»، أوجه التشابه بين إخفاق بريطانيا وفرنسا في تحويل انتصارهما العسكري خلال أزمة قناة السويس عام 1956 إلى مكاسب سياسية، والتحديات التي تواجه الولايات المتحدة في حربها مع إيران، محذرًا من أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، وأن غياب خطة واضحة لما بعد الحرب قد يفضي إلى نتائج استراتيجية عكسية.

 

وبحسب مقال نشرته المجلة، فإن أزمة قناة السويس تقدم دروسًا مهمة للاستراتيجيين الأمريكيين في كيفية إدارة الصراعات العسكرية وتقدير تداعياتها السياسية والاقتصادية. فقبل سبعة عقود، توقعت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أن يؤدي إلحاق هزيمة عسكرية بمصر إلى إسقاط نظام جمال عبد الناصر، لكن العملية انتهت بهزيمة سياسية للقوتين الأوروبيتين، وأظهرت حدود القوة العسكرية عندما تنفصل عن حسابات السياسة والتحالفات الدولية.

 

 

أزمة قناة السويس عام 1956.. كيف تحولت المكاسب العسكرية إلى هزيمة سياسية؟

 

واجه جمال عبد الناصر مشكلة في عام 1956. فبعد توليه الرئاسة إثر انقلاب عسكري قومي أطاح بالنظام الملكي الموالي لبريطانيا، أبدى رغبة في تحسين العلاقات مع المملكة المتحدة والحصول على مساعدات من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. لكنه، في الوقت نفسه، اتخذ سلسلة من الخطوات التي أثارت استياء الغرب، من بينها دعم المتمردين في مواجهة الاستعمار الفرنسي بالجزائر، وإبرام صفقة ضخمة لشراء الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا الخاضعة للنفوذ السوفيتي، والاعتراف بجمهورية الصين الشعبية بقيادة ماو تسي تونج.

 

وأدت هذه التحركات إلى تدهور علاقاته مع الدول الغربية. وفي يوليو 1956، ألغت الولايات المتحدة خطة لتمويل بناء السد العالي في أسوان على نهر النيل، في خطوة هددت المشروع بالتوقف، خاصة أن عبد الناصر كان قد خصص بالفعل معظم الموازنة المصرية المتاحة للإنفاق غير الإلزامي لتمويل صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية. وهكذا واجه الرئيس المصري معضلة تمويل المشروع الذي راهن عليه لتحديث مصر وتصنيعها.

 

ولمعالجة الأزمة، اتجه عبد الناصر إلى قناة السويس، التي تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر وآسيا. وكانت القناة، التي تُعد من أهم الممرات المائية في العالم، قد شُيّدت خلال ستينيات القرن التاسع عشر على يد تحالف عثماني فرنسي، وأدارتها شركة قناة السويس الفرنسية البريطانية منذ افتتاحها عام 1869.

 

وكان عقد الامتياز، الذي امتد 99 عامًا بين فرنسا ومصر في عهد الدولة العثمانية، ينتهي عام 1968. لكن عبد الناصر أعلن في 26 يوليو 1956، بعد أسبوع واحد من رفض طلب التمويل الأمريكي، تأميم القناة قبل موعد انتهاء الامتياز باثني عشر عامًا، والاستفادة من رسوم عبور السفن في تمويل بناء السد العالي.

 

حظي الإعلان بشعبية واسعة في مصر، التي رأت في استمرار السيطرة البريطانية الفرنسية على القناة بقايا مهينة من الحقبة الاستعمارية. لكن بريطانيا وفرنسا استقبلتا القرار بغضب، مشيرتين إلى أن عبد الناصر سبق أن تعهد صراحة بالإبقاء على الترتيبات القائمة حتى عام 1968.

 

وعقب الإعلان، شبّه رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن عبد الناصر بالديكتاتوريين الفاشيين في ثلاثينيات القرن العشرين، وقال إن الزعيم المصري تراجع عن تعهدات بلاده للشركة، بل ونقض تصريحاته السابقة، مضيفًا أن بلاده لا يمكنها قبول نجاح ما وصفه بعمل نهب يهدد سبل عيش دول كثيرة.

 

ودفعت المخاوف من عودة الفاشية، ومن تكرار سياسة الاسترضاء التي سبقت الحرب العالمية الثانية، بريطانيا وفرنسا إلى التخطيط لعملية عسكرية للسيطرة على القناة. ووجدتا شريكًا مستعدًا في إسرائيل، التي سعت إلى تأمين حدودها الغربية من هجمات المقاتلين المصريين والفلسطينيين المنطلقين من قطاع غزة الخاضع للاحتلال المصري آنذاك.

 

وفي منتصف أكتوبر، اتفقت الدول الثلاث خلال اجتماع سري عُقد في مدينة سيفر الفرنسية على خطة للهجوم. كان من المقرر أن تغزو إسرائيل شبه جزيرة سيناء وتحتلها من الشرق، ثم تتدخل بريطانيا وفرنسا عسكريًا بحجة «حماية» القناة من الحرب المصرية الإسرائيلية، دون نية لإعادة السيطرة عليها بعد انتهاء القتال. ولم يقتصر الهدف النهائي للمؤامرة على السيطرة على القناة، بل شمل إذلال عبد الناصر والإطاحة به، وإحلال حكومة مصرية أكثر استجابة للمطالب الغربية محله.

 

وأطلقت الدول الثلاث عمليتها في 29 أكتوبر 1956، عندما اتخذت إسرائيل خلافًا بشأن مضائق تيران المتصلة بالبحر الأحمر ذريعة لغزو سيناء. وبعد يومين، شنت بريطانيا وفرنسا هجومهما، عقب رفض مصر قبول تحييد القناة عسكريًا في الأمم المتحدة، فأنزلتا قوات مظلية على امتدادها وانتزعتا السيطرة عليها من القوات المصرية.

 

وعلى جبهتي سيناء والقناة، حققت العملية انتصارًا عسكريًا واضحًا، لكنها سرعان ما انهارت على المستوى الجيوسياسي. فقد استقبل العالم العربي الغزو بغضب، وفرض حظرًا نفطيًا على بريطانيا وفرنسا. كما أدان الاتحاد السوفيتي العملية باعتبارها مؤامرة استعمارية، وهدد باستخدام القوة لمواجهتها، مستغلًا الفرصة لتعزيز نفوذه الدبلوماسي في الشرق الأوسط، وصرف الأنظار عن غزوه الوشيك للمجر، إحدى الدول التابعة له التي شهدت تمردًا على الهيمنة السوفيتية.

 

لكن المفاجأة الأكبر لبريطانيا وفرنسا جاءت من الولايات المتحدة، التي عارضت العملية. فقد وضعت الأزمة بريطانيا أمام مخاطر مالية كبيرة، إذ أدى إغلاق القناة خلال الحرب والمقاطعة النفطية العربية إلى أزمة مالية قصيرة الأجل في لندن.

 

وافترض إيدن أن قوة «العلاقة الخاصة» بين الولايات المتحدة وبريطانيا ستضمن حصول بلاده على حزمة إنقاذ من صندوق النقد الدولي بقيادة واشنطن. كما اعتقد أن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، الذي شاركه العداء لعبد الناصر، سيدعم الغزو أو يقبله على الأقل بوصفه أمرًا واقعًا بعد اكتماله بنجاح. وكان إيدن واثقًا من ذلك إلى حد أنه لم يُبلغ الأمريكيين بالهجوم الوشيك.

 

لكن حسابات أيزنهاور كانت أكثر تعقيدًا مما تصور إيدن. فعلى الرغم من إدراك الرئيس الأمريكي، الذي سبق له قيادة الجيش، أهمية العلاقة الخاصة بين البلدين وعدم تعاطفه مع قادة الثورة المصرية، فإنه كان شديد الحساسية تجاه الرأي العام العربي، خصوصًا في ظل مساعي الاتحاد السوفيتي إلى توسيع نفوذه في المنطقة خلال الحرب الباردة.

 

وانتصرت هذه الاعتبارات في النهاية. فعندما طلب إيدن تمويلًا مؤقتًا من صندوق النقد الدولي، فاجأه الأمريكيون برفض دعم القرض إلى أن توافق لندن على وقف إطلاق النار في مصر. وزاد أيزنهاور الضغط، فأمر وزارة الخزانة الأمريكية بالاستعداد لبيع السندات البريطانية إذا رفضت الحكومة الانسحاب، وهي خطوة كانت ستؤدي إلى انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني وتفجير أزمة مالية شاملة في بريطانيا.

 

وأمام هذا المأزق، وافقت بريطانيا وفرنسا على وقف إطلاق النار في 6 نوفمبر، وبدأتا تسليم مواقعهما إلى قوة تابعة للأمم المتحدة لتولي الوساطة. وغادرت آخر القوات البريطانية الفرنسية منطقة القناة في أواخر ديسمبر، ثم انسحبت القوات الإسرائيلية من سيناء في مارس، وأُعيد فتح القناة في أبريل تحت السيطرة المصرية الكاملة.

 

وبعد أن أُذل سياسيًا بسبب فشل العملية، استقال إيدن من منصبه في يناير. أما خلفه هارولد ماكميلان، فكان أكثر واقعية في تقدير قدرات بريطانيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتجنب مغامرات مماثلة. وفي المقابل، مضى عبد الناصر في بناء السد العالي.

 

 

إخفاق بريطانيا وفرنسا في قناة السويس.. أخطاء الحسابات العسكرية والتحالفات

 

يُنظر على نطاق واسع إلى كارثة قناة السويس باعتبارها نهاية الإمبراطورية البريطانية بوصفها قوة عظمى عالمية. وعلى نطاق أوسع، شكّلت الأزمة كارثة للغرب؛ إذ أحدثت شرخًا في العلاقات عبر الأطلسي وانقسامًا في الرأي العام، في وقت كان فيه الاتحاد السوفيتي يغزو المجر ويحتلها في حرب ذات طابع إمبراطوري، ما عرقل استجابة منظمة من حلف شمال الأطلسي.

 

كما حولت الأزمة عبد الناصر إلى رمز يحظى بشعبية واسعة في العالم العربي، وعززت الحركات القومية في الشرق الأوسط، وأبقت الزعيم المصري مصدر إزعاج مستمر للغرب حتى وفاته عام 1970. وعززت الأزمة أيضًا مكانة الكرملين في المنطقة، بما ترتب على ذلك من تداعيات سلبية على السياسة الخارجية الأمريكية والغربية طوال الحرب الباردة.

 

وتبدو هذه النتائج بعيدة المدى أكثر لفتًا للانتباه بالنظر إلى النجاح العسكري للتحالف الثلاثي. فقد انتصرت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عسكريًا، وهزمت القوات المصرية وسيطرت على سيناء وأجزاء واسعة من منطقة القناة خلال أيام قليلة، مع خسائر بشرية محدودة نسبيًا. لكن العملية تحولت سياسيًا إلى كارثة.

 

ويبدو أن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه التحالف البريطاني الفرنسي الإسرائيلي تمثل في افتراضه أن الانتصار العسكري السريع سيؤدي إلى تراجع كبير في ثقة المصريين بحكومة عبد الناصر، بما يفضي إلى الإطاحة به، سواء عبر تحركات داخل دوائر الحكم أو انتفاضة شعبية واسعة. وقد بلغ اقتناع الدول الثلاث بهذا السيناريو حدًا جعلها لا تضع خطة واضحة لمرحلة ما بعد العملية، ولم تُعد بديلًا في حال فشل تغيير القيادة الذي كانت تأمل تحقيقه.

 

لكن الغزو دفع المصريين إلى رد فعل معاكس. فبدلًا من الانتفاض ضد عبد الناصر، احتشدت قطاعات واسعة من الشعب المصري لدعمه والدفاع عن البلاد، على الأقل خلال الأزمة والفترة التي أعقبتها مباشرة.

 

ولا يمكن الجزم بما كان سيحدث لو دعمت الولايات المتحدة الغزو ولم يتدخل الاتحاد السوفيتي، بما يسمح لبريطانيا وفرنسا باحتلال القناة لأشهر أو سنوات. لكن من اللافت أن سيناريو مشابهًا وقع عام 1967، عندما ألحقت إسرائيل هزيمة عسكرية كبيرة بمصر واحتلت سيناء لمدة 15 عامًا، دون أن تؤدي الهزيمة هي الأخرى إلى تغيير النظام.

 

وبمجرد أن اتضح أن عبد الناصر خرج من الأزمة منتصرًا على القوى الأوروبية، تعززت مكانة مصر الإقليمية على حساب الغرب. فلم تفشل بريطانيا وفرنسا في السيطرة على قناة السويس فحسب، بل كشفتا أيضًا حدود القوة الصلبة القائمة على التفوق العسكري، وقوّضتا في الوقت نفسه نفوذهما الاستراتيجي والاقتصادي والتجاري، بينما عززتا مكانة خصومهما.

 

ويحدد الكاتب عدة عوامل أسهمت في هذا الإخفاق. فقد أدت الثقة المبررة في التفوق العسكري إلى تشويش التقدير السياسي، وجعلت بريطانيا وفرنسا تقللان من احتمال الفشل خارج ميدان المعركة.

 

كما أخفقت الدولتان في فهم المسارات التي قد تؤدي إلى تعثر العملية. فكان من الممكن أن تتدخل دول الكتلة الشرقية أو دول العالم الثالث سياسيًا أو اقتصاديًا، فضلًا عن اعتماد العملية على دول أخرى، خصوصًا الولايات المتحدة، التي لم تشارك في اتخاذ القرار ولم يكن مضمونًا أن تدعم نتائجه. كذلك لم تُراعَ احتمالات المعارضة السياسية الداخلية في بريطانيا وفرنسا أو داخل القوات المسلحة، إذ لم تُبلغ هذه الأطراف مسبقًا بالعملية، فيما أشارت استطلاعات الرأي إلى عدم تأييدها.

 

وبدا أن لندن وباريس افترضتا أن الغزو سيجري في فراغ سياسي، وأن المخاطر الأخرى التي لا ترتبط مباشرة بأزمة قناة السويس ستظل منفصلة عنها. وكان ذلك افتراضًا مكلفًا.

 

وأخيرًا، لم تستعد الدولتان لتداعيات الفشل، أو حتى النجاح الجزئي أو المتأخر، سواء على الرأي العام المحلي أو العلاقات مع الدول الأخرى، فضلًا عن الضرر الذي لحق بسمعة الغرب نتيجة ما اعتبره كثيرون محاولة فاشلة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ووقف مسار إنهاء الاستعمار في الدول النامية.

 

 

أزمة قناة السويس والحرب مع إيران.. هل تكرر واشنطن أخطاء الماضي؟

 

 

في عام 1956، توقعت قيادات بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أن يؤدي إذلال الجيش المصري إلى استسلام سياسي، لكنها لم تمتلك خطة موثوقة لتحقيق هذا التحول. وبعد نحو سبعين عامًا، تواجه الولايات المتحدة معضلة مشابهة في حربها المستمرة منخفضة الحدة مع إيران.

 

تغيرت المبررات التي قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحرب على مدار العام، لكن الكاتب يرى سببين يدعوان إلى الاعتقاد بأن تغيير النظام الإيراني كان هدفًا رئيسيًا، على الأقل في بداية الصراع.

 

أولًا، اندلعت الحرب في أعقاب احتجاجات إيرانية واسعة مناهضة للحكومة، استهدفت إسقاط النظام الديني الحاكم. وكان ترامب قد تعهد للمتظاهرين في يناير بأن «المساعدة في الطريق»، كما طالب الحكومة الإيرانية بعدم إيذائهم، محذرًا من التدخل الأمريكي. لكن النظام تجاهل التحذير، وقُتل آلاف الأشخاص خلال حملة قمع عنيفة. ويرى الكاتب أن هذه الوقائع تعزز احتمال أن تكون الحرب قد بدأت بهدف مساعدة المحتجين على إسقاط الحكومة.

 

ثانيًا، بات معروفًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغط باتجاه تغيير النظام خلال لقاء مع ترامب في فبراير. وأبلغ نتنياهو الرئيس الأمريكي أن الحرب يمكن أن تُحسم سريعًا، وأنها ستفضي إلى حكومة إيرانية جديدة أكثر استجابة للمطالب الأمريكية والإسرائيلية.

 

وكما فعلت بريطانيا وفرنسا خلال أزمة قناة السويس، يبدو أن إدارة ترامب توقعت أن يؤدي الإذلال العسكري إلى استسلام سياسي سريع، دون امتلاك خطة موثوقة توضح كيف سيتحقق ذلك. بل إن الثقة بهذا السيناريو كانت كبيرة إلى حد غياب خطة بديلة واضحة لمواجهة احتمال إطالة أمد الحرب.

 

وحققت العمليات العسكرية ضد إيران بعض النتائج التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة. فقد أدت إلى مقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، ويُرجح أنها عطّلت قدرة نجله وخليفته مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر أو يُسمع عنه منذ بداية الحرب. كما أضعفت صفوف الحرس الثوري الإيراني، وألحقت أضرارًا اقتصادية كبيرة بإيران، ما حدّ من قدرتها على تصدير الإرهاب إلى الخارج ومواصلة السعي إلى امتلاك أسلحة نووية.

 

لكن موقع الحرس الثوري تعزز من جوانب أخرى خلال العام الماضي. فقد سحق المعارضة الداخلية بصورة واسعة، ورسّخ سيطرته على البلاد، وأثبت قدرة هيكل القيادة لديه على الصمود. كما برهن على قدرته على إبقاء تهديد حركة النفط عبر مضيق هرمز قائمًا رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها البحرية الأمريكية، واستخدام هذا التهديد للتأثير في تجارة النفط العالمية. وأظهر الصراع كذلك أن الولايات المتحدة لا تملك القدرة على تدمير دولة خصمها من الجو، ولا الإرادة السياسية اللازمة لخوض عمليات برية.

 

ويرى الكاتب أن ترامب وقع في عدد من الأفخاخ نفسها التي وقع فيها إيدن وشركاؤه قبل سبعين عامًا. فقد حجب التفوق العسكري الأمريكي الكبير على إيران حقيقة أن طهران قادرة على ممارسة سيطرة فعلية على مضيق هرمز الحيوي بفضل موقعها الجغرافي، حتى في غياب بحرية قادرة على العمل بكامل طاقتها.

 

كما يُرجح أن إدارة ترامب لم تدرس بما يكفي، خلال قراراتها في فبراير، الطرق التي يمكن للحرب أن تضر بها الولايات المتحدة، وهو ما بدأ بالفعل. وتشمل هذه الأضرار ارتفاع الأسعار وخسائر الإنتاج الاقتصادي بمئات المليارات من الدولارات، واستنزاف مخزونات الذخائر الحيوية، وتراجع الجاهزية العسكرية في مناطق أخرى من العالم، فضلًا عن هبوط حاد في ثقة الرأي العام بالبيت الأبيض.

 

ورغم أن الأزمة الإيرانية لم تُحسم بعد، فإنها كشفت بالفعل حدود القوة الأمريكية، وهي حقيقة لا شك أن دولًا أخرى، خصوصًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تراقبها عن كثب.

 

ولا تزال التداعيات الإقليمية للحرب مع إيران غير واضحة بالكامل، لكن آثارها ستستمر لسنوات. فبعد إغلاق مضيق هرمز، أصبحت السعودية أكثر اعتمادًا على خط أنابيب النفط الممتد من الشرق إلى الغرب وصولًا إلى البحر الأحمر. وأدى ذلك إلى زيادة الأهمية الاستراتيجية للحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن، الذين صعّدوا الحرب عبر قصف خط الأنابيب وشن هجمات داخل الأراضي السعودية.

 

وتظل قدرة السعودية على الرد على هذه الهجمات محدودة. فقد اعتمدت لعقود على الضمانات الأمنية الأمريكية، خصوصًا خلال حرب الخليج عام 1991، لكن واشنطن لم تتمكن من توفير المستوى نفسه من الحماية في الوقت الراهن.

 

وأدى انسحاب بريطانيا من الشرق الأوسط بعد أزمة قناة السويس إلى فراغ استراتيجي أعاد تشكيل موازين النفوذ الإقليمي على مدى عقود. ولا يزال من المبكر تحديد ما إذا كانت الحرب الحالية ستؤدي إلى مسار مشابه.

 

ولا يتمثل الدرس الأساسي من أزمة قناة السويس في أن القوة الصلبة عديمة الفائدة في السياسة الخارجية، أو أن التدخلات العسكرية لا يمكنها تحقيق أهداف سياسية في دول أخرى. بل يكمن الدرس في أن هزيمة القوات المسلحة للخصم لا تعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية المرجوة.

 

استطاعت بريطانيا وفرنسا احتلال قناة السويس وهزيمة الجيش المصري، لكنهما فشلتا في تحويل انتصارهما العسكري إلى إطاحة بعبد الناصر. فقد بقي في السلطة، وظلت القناة تحت السيطرة المصرية، بينما خرجت القوتان الأوروبيتان من الأزمة وهما تعانيان الإذلال السياسي.

 

وتواجه الولايات المتحدة الآن مشكلة مشابهة في إيران. فقد تتمكن من إلحاق أضرار بالقدرات العسكرية الإيرانية وفرض تكاليف اقتصادية باهظة على البلاد، لكن أيًا من هذين الأمرين لا يضمن وصول حكومة في طهران تستجيب للمطالب الأمريكية.

 

ولن يتحدد الاختبار النهائي للحرب بحجم الدمار الذي تستطيع الولايات المتحدة إلحاقه بإيران، بل بقدرتها على تحويل هذا الضرر إلى تسوية مستقرة وإيجابية على المدى الطويل. فبريطانيا وفرنسا أخفقتا في تحقيق هذا الهدف خلال أزمة قناة السويس، وخرجتا من المواجهة أضعف مما دخلتاها. وسيكون التحدي أمام واشنطن والشرق الأوسط الأوسع هو تجنب تكرار هذه النتيجة.

 

The Suez Crisis and the Iran War - The National Interest